“حديث باسل: الكتابة التي تعيد التوازن”
في صباح بدا وكأنه لوحة متقنة، جلست أرتشف كوب الشاي، ذلك الطقس الذي لم أتخلَّ عنه رغم انشغالات الحياة التي تُلاحقنا كظل ثقيل. وبينما كنت أراقب البخار يتصاعد برفق، استحضر عقلي اسم صديقي العزيز باسل. باسل، ذلك الصديق الذي يحمل حضوره في الذاكرة نكهة الأحاديث الدافئة واللحظات التي تجمع بين الجد والمرح.
لم يكن ظهور اسمه في ذهني مصادفة، بل ربما تذكيراً من داخلي بأن انشغالات الحياة التي نُسرف في لومها ليست مبرراً لنسيان أصدقاء يعطون للحياة بريقها. شعرت بتأنيب خفيف؛ كيف يمكن لأيام أن تمر دون أن أفتح باب الحديث معه؟ كيف تركت تلك الأوقات تمضي بلا اتصال، وأنا أعرف أن الحديث معه دائماً يحمل شيئ من التوازن الذي نفتقده وسط زحام الأيام؟
وقررت، في تلك اللحظة، أن أتواصل معه.
أرسلت له رسالة صورة تحمل دعاءً، كأنني أُهدي له تحية صباحية تليق بصديقٍ يحمل الكثير من المعاني. أتبعتها برسالة قصيرة أخرى: “صباح الخير.”
لم تمر سوى دقائق حتى جاء رده بصوتٍ مليء بالمرح والراحة. باسل، بصوته الذي يعرف كيف يبعث الحياة في أي حديث، كان يحمل بين نبراته شيئاً يُشبه الشاي الذي كنت أحتسيه؛ دافئًا، مألوفًا، وضروريًا.
أرسلت له ردًا صوتياً، لان الرد الكتابي احياناً يكون جافاً ، لكن باسل لم يكتفِ بالرسائل. ما هي إلا لحظات حتى جاءني اتصاله، وكأن الحديث الكتابي لم يكن كافياً لإكمال الصورة.
“يا خالد، كيف حالك؟” قالها بنبرة تجعلك تشعر بأنه قد أوقف كل العالم لديه وبأنه ينتظر بكل اهتمام لإجابتي وليس ممن يقولها مجاملة
قلت بابتسامة أسمعها في صوتي: “الحمد لله، طيب. كيفك أنت؟”. الحمدلله”
قال: “أنت اللي أخبرني، وينك ايش صار معك ؟”.
قلت له بهدوء: “الأحد بإذن الله أبدأ عملي الجديد في الرياض.”
صمت قليلاً، ثم قال بنبرة تحمل مزيجاً من المفاجأة والفخر: “الأحد؟ ما شاء الله
أجبته: “الحمد لله، جاهز ومتحمس للخطوة الجديدة.”
هنا تغيرت نبرة صوته قليلاً، وأصبحت أكثر عمقاً، لكنه لم يفقد شيئاً من دفء الحديث:
“تعرف يا خالد؟ أعتقد أن الفترة اللي جلست فيها بدون عمل كانت من أفضل الفترات اللي مرت عليك. كنت تحتاج تبعد شوي، تهدأ، وتعيد توازنك بعد الضغوط التي مررت بها .”
ثم، بطريقته التي لا تخلو من الفكاهة، أضاف كلمة مضحكة، لا يمكن كتابتها في المقال تلك التي جعلتنا نضحك ، كما لو أنه كان يعرف تماماً كيف يُعيدني إلى ذلك الشعور البسيط بالرضا عن النفس.
“الكتابة: ليست مجرد عبث”
وبينما الحديث يتنقل بخفة بين التفاصيل، قلت له:
“تعرف يا باسل؟ خلال الفترة الماضية كنت أكتب كثيراً… مجرد تسلية.”
هنا، ضحك قليلاً وقال بنبرة تجمع بين الجد والمرح:
“تسلية؟ يا خالد، لا تقلل من قيمة ما تفعل أنت تكتب تنقل المعرفة وكان مجمل حديثه بمعناه كأنه يقول الكتابة ليست عبثاً أو هواية عابرة. الكتابة هي الطريقة اللي يعيد فيها الإنسان ترتيب حياته، طريقة تُعيدك إلى نفسك، وتجعلك ترى الأشياء بوضوح.”
كانت كلماته تحمل أكثر مما بدت عليه. شعرت وكأنه يلقي حجراً في مياه راكدة. باسل، بطريقته التي تجمع بين الفهم والوعي، كان يُذكّرني أن الكتابة لم تكن مجرد فعل عابر، بل كانت طريقة لتفسير العالم وترتيب الفوضى التي قد تسكننا.
الإيميل الطويل وثلاث ساعات من القراءة
ثم، وكعادته التي لا يخلو منها لمسة من الماضي، قال لي وهو يضحك:
“تذكرت موقف أيام الشركة. مرة أرسلت لي إيميل طويل جداً طويل كنت أقرأه، وفجأة دخل عليّ زميلنا أبو عواد يسألني عن شيء: “قلت له: ‘أبو عواد، بالله عليك، اطلع الحين! خالد أرسل أيميل ،أحتاج ثلاث ساعات عشان أخلصه!’”
ضحكنا معاً، مستذكرين أجمل اللحظات
الكتابة كوسيلة للتوازن
حديث باسل عن تلك الإيميلات أعادني إلى لحظات كنت أكتب فيها دون أن أدرك تماماً ماذا أفعل حيث كان من الأفضل ان اختصر الإيميلات بدلاً ان تكون كتالوج يوضح تفاصيل العمل.
بصفة عامة لم تكن الكتابة مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت طريقة لترتيب أفكاري، لفهم مشاعري، وربما لأعيد اكتشاف نفسي.
الكتابة، كما قال باسل، ليست عبثاً. إنها وسيلة تُعيد التوازن، تُعيد تشكيل العالم من حولك.
باسل: الصديق الذي يعيدك إلى نفسك
في حديثه ذلك الصباح، لم يكن باسل مجرد صديق يهنئني بعملي الجديد أو يُجاملني بحديث لطيف. كان يذكرني بما كنت أحتاج إلى سماعه. كان يعيد إليّ إحساساً أعمق بما أفعله، ويُظهر لي أن الأصدقاء الحقيقيين هم أولئك الذين يرون فينا ما لا نراه في أنفسنا.
كان كعادته الصديق الذي يعيد إليك الشعور بأن كل شيء، مهما بدا بسيطًا، يحمل في داخله معانٍ تستحق أن تُروى.
كتبه/ بصمة فكر
